12-1 | الأرض المبتلة أم هجوم الخوارق.. بحث في أسباب الهزيمة الكارثية لبرشلونة

0 1٬553

العشرات من معتمري القلنسوة الباسكية تزاحموا لمقاربة العمود الحامل للوحة نتيجة المباراة، فهذه الصورة لن تُلتقَط كل يوم. ونعم.. اللوحة تشير لنتيجة مباراة في كرة القدم.

الموظف المسؤول عن اللوحة الورقية المعرِفة بالنتيجة، اضطر لتقليب الجانب الخاص بفريق أتلتيك بلباو في 12 مناسبة خلال 90 دقيقة فقط، واقعة لم تحدث مجددًا في أي مباراة بالدوري الإسباني مثلما حدثت في ذلك اليوم: الأحد 8 فبراير 1931.

 

مناسبة المباراة

موسم 1930\1931، ثالث موسم الليغا، انطلق على خسارة صادمة لحامل اللقب، أتلتيك بلباو، والذي انهار في أول جولة أمام برشلونة على ملعب كامب دي ليس كورتس في كتالونيا بنتيجة 6-3.

نتيجة أعطت انطباعًا قويًا أن البلاوغرانا عازمين على استعادة اللقب الذي جردهم الباسكيين إياه في الموسم الماضي، فالمدرب الإنكليزي جيم بيلامي والذي كان مساعدًا للمدرب روما فورنس خلال التتويج باللقب التاريخي الأول، لا زال يبحث عن ترك بصمته الخاصة مع الفريق بعد توليه المسؤولية بشكل كامل.

في المقابل، فإنكليزي آخر كان يدرب بلباو، يقدسونه هناك في إقليم الباسك ويعتبرونه عرّاب كرة القدم بتلك المنطقة الشمالية الباردة، إنه فريد بينتلاند.

أما المواجهة المعنية فكانت بالجولة العاشرة، أولى جولات مرحلة الإياب، على ملعب سان ماميس القديم. وكانت مناسبة سانحة للأخذ بالثأر من هزيمة الذهاب.

 

هجوم الخوارق

باتا، تشيري، غوروستيزا، إيراراغوري، لافوينتي.. الخماسي الهجومي الخاص بالمدرب بينتلاند، والذين اكتسبوا لقب “Los Maravillas” أو “الخوارق”.

حفنة من اللاعبين الباسكيين مختلفي الأدوار ومتعددي المواهب، أضفى عليهم المدرب بينتلاند لمسته المبتكرة، فدفعهم نحو أقصر الطرق لمرمى الخصوم.

المدرب بينتلاند محتضنًا القائد لافوينتي

 

فاللاعب غوروستيزا على سبيل المثال، كان يلعب بالقدم اليمنى، ورغم ذلك وضعه بينتلاند على اليسار لتكون قدمه العكسية موجهة لداخل الملعب، وهي خدعة روتينية وتقليدية الآن، لكنها لم تكن أبدًا كذلك قبل قرابة التسعين عامًا.

هذا الهجوم الكاسح لبلباو، لم يستعرض عضلاته على برشلونة فحسب، صحيح أن برشلونة كان أكبر المتضررين، لكن أغلب الأندية الإسبانية الكبرى شربت من الكأس المر في تلك الفترة.

ما يتجاهله الكثيرون عند الحديث عن مباراة الـ(12-1) الشهيرة، هو أن ريال مدريد عانى بدوره أمام بلباو قبلها بثلاث جولات فقط. النادي الملكي سقط بسداسية نظيفة على ملعب تشامارتين بقلب العاصمة!

الموسم عينه شهد على إذلال بلباو لجاره ديبورتيفو آلافيس بنتيجة 7-1، وبنفس النتيجة سقط راسينغ سانتاندير -الوصيف بالمناسبة- في وقت لاحق من التنافسة.

أما ريال سوسيداد الغريم التقليدي لبلباو، فلم يفوّت حصته من الكعكة، وكان قد تلقى الخسارة بنتيجة 1-6، وهو تحسن ملحوظ بعد أن خسر في الديربي بنتيجة 1-7 بالموسم السابق!

بلباو أنهوا موسم 1930\1931 ذلك بتسجيلهم 73 هدفًا، بمعدّل 4 أهداف تقريبًا في المباراة الواحدة، ويأتي خلفهم في جدول الأهداف المسجلة نادي راسينغ سانتاندير برصيد 49 هدفًا.

 

مراحل الكارثة

بعد 8 دقائق من عمر المباراة، كان بلباو متقدمًا بهدفين نظيفين. ومع نهاية الشوط الأول، كان قد أكمل نصف المهمة بالتقدم 6-1.

الأهداف سُجلَت بواسطة باتا (2، 8، 24، 37، 57، 60، 68)، غوروستيزا (27، 55)، لافوينتي (36)، زابالو -بالخطأ في مرماه-(71)، إيراراغوري (83)

أما هدف الكتلان الوحيد فوقّعه غويبورو بالدقيقة العاشرة، ومن بعدها أظلمت أعينهم.

أغوستين ساوتو أرانا “باتا” مهاجم بلباو، توّج بلقب البيتشيتشي في هذا الموسم برصيد 27 هدفًا، 7 منها سُجلَت فقط بتلك الليلة الكارثية على برشلونة.

ويعد باتا أول من يسجل 7 أهداف بمباراة واحدة في الليغا، ولم يفعلها لاحقًا سوى شخص واحد، هو المجري لاديسلاو كوبالا لاعب برشلونة موسم 1951\1952 خلال المباراة التي انتصروا فيها على سبورتنغ خيخون 9-0.

لكن الواقع أن هذه النتيجة تجسّد سيطرة تامة لبلباو على مواجهاته مع برشلونة على ملعب سان ماميس في مواسم الليغا الأولى؛ النادي الكتالوني خرج خاسرًا في 20 من أصل أول 23 زيارة لسان ماميس في منافسات الدوري الإسباني ما بين عامي 1929 و1953!

الخسارة القاسية وإن كانت وصمة عار للكتلان على المدى البعيد، إلا أنها خلّفت ندمًا عميقًا في أنفسهم مع نهاية الموسم؛ بلباو حصد اللقب برصيد 22 نقطة، وبرشلونة حل رابعًا برصيد 21 نقطة، أي أن الانتصار على بلباو في ليلة السان ماميس تلك كان يعني تتويج برشلونة بلقب الدوري في نهاية المطاف.

 

مبررات للهزيمة.. ولكن ليس للفضيحة

لا تزال تلك النتيجة حتى اللحظة هي أكبر نتيجة سُجلَت على الإطلاق في أي مباراة بالدوري الإسباني، ولأنها مناسبة هامة، فيجدر النبش بمزيدٍ من تفاصيلها.

الوجه الآخر من الهزيمة يجب أن يُذكَر، لعله يكون مبررًا لخسارة برشلونة في تلك الليلة، الخسارة فقط.. لأن النتيجة لا يمكن أن تُبرَر تحت أي ظرف طبيعي.

الواقع أن برشلونة اضطر للعب بعشرة لاعبين أغلب فترات اللقاء بعد أن تعرض لاعبه مارتي بوليا لإصابة إثر اصطدامه بالقائم في وقتٍ مبكر من الشوط الأول، بزمنٍ لم يكن نظام الاستبدال قد عُرف فيه بعد.

بل أن برشلونة لعب حتى بتسعة لاعبين ونصف إن جاز التعبير، لأن خواكين رويغ بدوره تحامل على نفسه لوقت طويل وأكمل ما استطاع من المباراة دون أن يكون سليمًا، وفي النهاية عندما اتضح أن تضحياته لا تؤتي بثمارها مع اتساع النتيجة، غادر الملعب.

صحيفة موندو ديبورتيفو وفي تقريرها بعد المباراة والذي سيطرت عليه نبرة الأسى، أشارت للأمطار التي هطلت بغزارة منذ الليلة السابقة وتركت أرض ملعب سان ماميس في حالة غير مثالية.

 

يقول فريد بينتلاند مدرب بلباو: “شخصية فريق كرة القدم لا تتكون من خلال الانتصارات، بل عبر الهزائم”.. ولعل الهزيمة بسداسية في أول مباراة بالدوري أمام برشلونة قد تركت ما تركت بشخصية هؤلاء اللاعبين الباسكيين الذين لولا الحرب الأهلية، لمضوا في كتابة تاريخ لا يمكن تخطيه.

 

صحيفة موندو ديبورتيفو كتبت بعد اللقاء: “لسوء الحظ، ستكون تلك النتيجة حديث الوسط الرياضي في إسبانيا كلها، وسيستمر الحديث عنها لوقت طويل”.

صدقتم..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف