في ذكرى ركلة العقرب.. نظرة على مسيرة هيغيتا المجنون

0 2٬335

على غير المعتاد، لم يمتلأ ملعب ويمبلي بالجماهير خلال المباراة الودية التي جمعت منتخب إنكلترا بكولومبيا يوم 6 سبتمبر 1995.. 22 عامًا قبل اليوم.

الجماهير الإنكليزية تكاسلت عن الانتقال لويمبلي، إذ كانت صدمة عدم التأهل لمونديال 1994 ما تزال تاركة أثرها في قلوبهم، فحضر 20 ألف مشجع فقط، ولعلهم ندموا على تكلفهم عناء متابعة تلك المباراة المملة، كان ذلك قبل أن يعطيهم رينيه هيغيتا سببًا للحديث عن تلك الليلة للأبد.

هيغيتا حارس مرمى كولومبيا صاحب الشعر الأشعث اشتهر بمغامراته غير المحسوبة بالنظر لمركزه الحساس في الملعب، إذ لا يسبقه سوى شباك يتركها فارغة في أوقات عدة.

ولكنه قرر في تلك المباراة على أعرق وأهم ملعب كرة قدم بالعالم، أن يقدّم لنا تصديًا على هيئة “ركلة العقرب”!

جيمي ريدناب، الذي كان يخوض مباراته الدولية الأولى مع منتخب الأسود الثلاثة، أرسل عرضية طائشة اتجهت لمرمى كولومبيا بدلًا من رؤوس زملائه، فعرف هيغيتا أن اللحظة التي انتظرها منذ 5 سنوات -على حد قوله-، قد حلّت، وتصدى للكرة بطريقة سيكون من الظالم أن توصف بالكلمات طالما أن المباراة سُجلَت بالكاميرات.

لن يكون عسيرًا إذًا أن تعرف سبب تكنية هذا الحارس بـ “El Loco” أو “المجنون”.

“لم أر شيئًا كهذا من قبل، ولكنني لا أعتقد أننا سنبدا في تعليم حراسنا القيام بذلك”

_ تيري فينابلز مدرب منتخب إنكلترا (1994-1996)

اختاره الاتحاد الدولي للتاريخ والإحصاء من بين أفضل 8 حراس مرمى في تاريخ قارة أمريكا الجنوبية، لكنه على الأرجح كان ليتمنى لو وُضع في مركزٍ أقرب لمرمى الخصم، و44 هدفًا في مسيرته خير دليل على ذلك.

 

كوبا ليبارتادورس 1989

لم يتمكن أي فريق كولومبي من الظفر بكوبا ليبارتادورس -الكأس القارية الأهم على مستوى الأندية- قبل العام 1989، عندما فعلها أتلتيكو ناسيونال بفوزه على أوليمبيا الباراغوياني بركلات الجزاء الترجيحية.

هيغيتا كان بطلًا لتلك الموقعة بتصديه لأربع ركلات جزاء، ونجاحه في تسديد الركلة الخامسة بنفسه.

 

الهفوة أمام ميلا

في موسم 1988\1989، تزامل روجيه ميلا المهاجم الكاميروني الشهير، مع كارلوس فالديراما النجم الأول للكرة الكولومبية في ذلك التوقيت، في فريق مونبيليه الفرنسي.

يقول ميلا أن فالديراما تحدث كثيرًا عن حارس في بلاده يدعى هيغيتا، يقوم بأمور مجنونة والكرة في قدميه. ميلا ظل يستمع لتلك القصص الأسطورية عن الحارس المجنون، ولكنه سيستفيد منها لاحقًا في إيطاليا 1990.

الكاميرون وكولومبيا في دور الـ16 من كأس العالم 1990، والفائز بينهما سيكون الحصان الأسود للبطولة بامتياز، والمنتخبان أرادا الحفاظ على حظوظهما لأطول وقت ممكن، فأبقيا على المباراة سلبية لثلاثة أشواط كاملة.

في الدقيقة 106، افتتح روجيه ميلا التسجيل للأسود الكاميرونية، وباتت كولومبيا على شفا الخروج، لكن هدف ميلا الأول لم يكن أسوأ ما سيمر على هيغيتا بتلك الليلة الخالدة للرياضة الإفريقية.

3 دقائق مرت قبل أن يتسلم هيغيتا الكرة من مدافعه في مكان بعيد عن مرماه، وعندما رأه ميلا، تذكر السمر المسائي الطويل لفالديراما، ولم يفوّت الفرصة، فهب منقضًا على هيغيتا الذي حاول استعمال حل المراوغة كعادته، ولم يفلح هذه المرة، تاركًا المشاهدين أمام واحدة من أشهر لقطات كأس العالم على الإطلاق.

ولكنه كان ثوريًا

بعد عامين من واقعة ميلا، أقر الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” قانونًا تاريخيًا يقضي بمنع حراس المرمى من إمساك الكرات العائدة إليهم بشكلٍ متعمِد من أقدام زملائهم. وبالطبع صاحَب هذا القانون تغييرًا كبيرًا في متلطبات مركز حراسة المرمى، وظل الحراس يحاولون التأقلم على لعب الكرة بالقدم لسنوات.. هيغيتا لم يواجه تلك المشكلة بالطبع.

في كأس العالم 2014، لمَس مانويل نوير حارس مرمى المنتخب الألماني الكرة خارج منطقة الجزاء في 21 مناسبة خلال مباراة الجزائر بدور الـ16. والمؤكد أن المنتخب الجزائري كان ليهدد مرمى الماكينات في وضعيات انفراد صريحة بالمرمى لولا تدخلات حارس بايرن المبكرة بتلك الليلة.

ومع ذلك، فنوير عرضة كبيرة للانتقادات بسبب مبالغاته أحيانًا، رغم قيامه بدور المدافع الإضافي في ظهر زملائه، فكيف كان الأمر مع هيغيتا قبل 3 عقود!

هيغيتا كان مهاجمًا في طفولته، واضطر للعب كحارس مرمى عندما أصيب حارس فريقه، ولم يقدر على هجر هذا المركز طوال مسيرته، لذلك سدد الركلات الحرة بشراهة، ركض مسرعًا من المرمى للمرمى لتنفيذ ركلات الجزاء، تقدّم وراوغ لاعبًا تلو الآخر لأنه امتلك بالفعل مهارة كبيرة مكّنته من التحكم بالكرة.

ماتورنا الذي أشرف على تدريب هيغيتا في ناسيونال والمنتخب الكولومبي، يقول قبل انطلاق كأس العالم 1990 أن جنون هيغيتا يعد ميزة إضافية للقهوجية:

“هيغيتا يعطينا ما لا يقدر عليه غيره، ونحن نستفيد من ذلك بأقصى درجة. فمع تمركزه كليبرو، صرنا نمتلك 11 لاعبًا”.

تصريحات ماتورانا لم تكن لتُفهَم عام 1990.. شخص مجنون يتحدث بأريحية عن مشاركة حارسه في اللعب المفتوح بالقدمين!

 

“يقول الكثيرون أن ركلة العقرب كانت ضربة مليئة بالعبقرية، ويراها آخرون انعدام مسؤولية. أما بالنسبة لي فإنها كانت عملًا مثاليًا من صنع الإله”

_ رينيه هيغيتا

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف