ركلة الاستقلال

0 1٬371
    1. مُحير هو أمر ” التاريخ “، كتابُ ضخمُ عُمره من عُمر ليلة آدم الأولى على الأرض، تحفظ أوراقه إرث طريد الجنة، لكن حاله من حال الإنسان يصدق أحيانًا ويكذب أحيانًا، قد تُمزق صفحاته عن عمد لإخفاء الحقائق ومحو الأحداث غير المرغوب في اكتشافها، لكنها تُذكر بين الحين والآخر لأن الإنسان يحفظ التاريخ أفضل من الورق، و ذاكرته غير قابلة لتمزيق أوراقها.

بعدما تحررت يوغسلافيا من الاحتلال الألمانى عام 1945 تم إعلان قبام اتحاد الجمهوريات اليوغوسلافية الشعبية فى في العام نفسه وضم الاتحاد كلا من صربيا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود وجمهورية مقدونيا، واستمر جوزيف بروز الملقب بتيتو رئيسا للاتحاد حتى وفاته فى عام 1980.

بدأت الأصوات تتعالى بالاستقلال عن يوغوسلافيا سواء في كرواتيا أو غيرها من البُلدان التي اجتمعت تحت مُسمى ” يوغوسلافيا “، بل أن انتخابات تعددية أُقيمت في كرواتيا و فاز بها حزب التجمع الديمقراطي الكرواتي وهو حزباً قومياً يدعو للانفصال عن يوغسلافيا.

برغم أن الأوضاع السياسية لم تكن على ما يُرام في البلاد إلى أن لاشئ كان قادرًا على إلغاء مُباراة ريد ستار بلغراد الصربي ودينامو زغرب الكرواتي 13 مايو 1990، مُباراة كُرة قدم لكن في الحقيقة إنها كانت مُبارة قومية، جماهير دينامو زغرب الراغبة في استقلال كرواتيا لتُصبح دولة مُستقلة بذاتها بعيدًا عن يوغ,سلافيا وجماهير ريد ستار بلغراد التي تعتبر كرواتيا جُزءًا من يوغوسلافيا بل تعتبر إنها حتى جُزءًا من صربيا.

بدأت المُباراة مُبكرًا، في الحانات وفي الشوارع، معارك دامية بين مجموعتين هُما ” ديلييه ” التابعة لريد ستار بلغراد و ” بلو باد يويز ” التابعة لدينامو زغرب، انتقلت بدورها إلى ملعب المُباراة، 10 دقائق مرت من المُباراة قبل أن تهتف الجماهير الصربية ” زغرب صربية، زغرب صربية ” وتُحطم الحائط العازل بين الجمهورين وهي تُردد الأغاني الوطنية الصربية على مرآى ومسمع من الشُرطة اليوغسلافية المُحيطة بجنبات الملعب.

على رغم من أن الملعب كان للفريق الكرواتي إلا أن الصرب علموا تمام العلم أن الشُرطة ستكون إلى جانبهم، عدم تدخل الشُرطة أخذ الاشتباكات لمستوى جديد وجعل جماهير زغرب تتولى زمام أمور الدفاع عن أنفسهم، انتقلت المعارك من المُدرجات لأرض الملعب عندما اجتاحت جماهير زغرب ملعب المُباراة لتُهاجم -حتى- الشُرطة التي اعتبروها أداة القمع في يد النظام، تعاملت الشُرطة بالطبع مع الجماهير الغاضبة، بالهروات، قنابل الغاز ومدافع المياه.

في حين حاول لاعبي دينامو زغرب مُساعدة جماهيرهم المُصابة على إثر التعامل الوحشي للشُرطة معهم، لمح زفونيمير بوبان لاعب الفريق حينها، أحد عناصر الشُرطة اليوغسلافية ينهال بالضرب على أحد مُشجعي الفريق في مُنتصف الملعب. لم يأبه يومها بالأضواء المُسلطة على الملعب والكاميرات المُحيطة بالحدث الدامي على العُشب الأخضر، لم يكترث لمُستقبله ولا عمله ولم يزن حتى الأمور لوهلة أو يتسائل عما ستؤول إليه الأحداث في يوغسلافيا.
لم يرَ بوبان إلا هراوة تضرب بني جلدته بلا هوادة تحاول كسر كُل ماتستطيع كسره، تهشم رأسًا أو ضلعًا أو حتى تكسر شوكة فكرة و إيمان بقضية قد يلفظ لأجلها أخر أنفاسه.

فكانت ركلته بعيدة عن الكُرة غير موجهة للمرمى، جاءت في صدر سارق الهوية مُحطم الأفكار، ركض بوبان نحو الشُرطي راكلًا إياه ليبعده عن المُشجع، انتقامًا ورفضًا للطريقة التي تعامل بها الشُرطي مع المُشجع الكرواتي.


عوقب بوبان بالطبع من قِبل إتحاد الكُرة اليوغسلافي وأوقف عن لعب الكرة لمدة ستة أشهر ليفقد مكانه في قائمة الفريق بكأس العالم 1990، لكنه تحول بطلًا قوميًا في أعين الكروات، بل ووصفت تلك الركلة بأول خطوات الإستقلال.
انتقل بوبان في العام التالي إلى ميلان ليُعيره إلى باري ومن ثم يستعيده ليكتب التاريخ، 4 سكوديتو و بطولة تشامبيونز ليج فضلًا عن تحقيقه برونزية كأس العالم 1998 لمُنتخب بلاده الحقيقية ” كرواتيا”.

يُحكى أن استقلال كرواتيا جاء في خطوات عدة، أولها ركلة أطلقها بوبان، تبعها حرب أهلية أُرتكبت فيها جرائم تُدين الجميع ومن ثم حصار القوات الصربية المدعومة بالجيش الشعبي اليوغوسلافي مدينة فوكوفار الكرواتية مدة سبعة وثمانين يومًا قبل تدميرها لتبدأ الحرب التي خلفت اكثر من الف ومئتي قتيل وألاف النازحين من الجانبين.

قدمت كرواتيا شكوى الى المحكمة الجنائية الدولية بعد انتهاء الحرب تتهم فيها صربيا بالتطهير العرقي ضد شعبها وقدمت صربيا بدورها شكوى للمحكمة نفسها تتهم كرواتيا بالابادة الجماعية خلال “عملية العاصفة” الأخيرة التي استعادت بها سيادتها ويبدو أن المحكمة كان قد ضاق بها ذرعًا من الطرفين فجاء الحُكم النهائي رافضًا للاتهامات المتبادلة وقدمت دعوة للبلدين لطي صفحة الماضي الدموي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف